المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لقاء من نوع آخر: قضية محمد بن عبد الكريم الخطابي قضية أجيـــــــــال...


RachidStar
04-12-2010, 04:49 PM
لم تكن وثبة الخطابي، طارئة أو عارضة، كما أنها لم تكن ردة فعل لظروف الاستعمار و الوضع الاجتماعي، و إنما هي نقطة انطلاق تاريخي، من تلك الانطلاقات الإسلامية الخالدة التي تنمو في ظل القران و هدي الإيمان قوامها تحرير العالم الإسلامي من المغرب إلى الهند و لا ينكرها و يتنكر لها إلا منكر أو جاحد...

و لقد دل التاريخ أن الرجل من أصدق الناس قولا، و أكثرهم وطنية، و أرقاهم خلقا، و أبصرهم بوسائل الاستعمار، و أنه كان الإقدار على مواجهته... فالخطابي كان لأمة – بالتعبير القرآني الأصيل – و حركة تغييرية إصلاحية و طاقة سياسية، و مدرسة عسكرية، إذا أحسننا الاستفادة من تجربته يمكن أن تعود بالخير العميم علينا.
و قد اعتمدت في هذا اللقاء و الحوار التركيبي على كتاب « مراكشي في مصر » لمحمد الأممي ( مطبعة مهدية، 1957، تطوان المغرب ). مع تصرف كبير في النصوص و لكن بدون أي تأثير شخصي.
و هذا المقال عبارة عن مناسبة ممتعة – من نسج الخيال – حصلت فيها على زيارة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي في اَخر عمره. و لقد اجتمع في هذا اللقاء التركيبي تجربة القائد العسكري، و المصلح الاجتماعي، و المثال الخلقي، و الزعيم الروحي، مع حيوية شاب، فإلى أي مدى يمكن لشبابنا و هم أمل المستقبل الإفادة من تجربة هذا البطل، حتى يكونوا أحفاداً حقيقيين لأسلافهم، و يكونوا خير خلف لخير سلف؟؟.
هو الآن أمامي طافح الوجه بالجدة و النشاط بارق العينين مما ينبئ عن فكر وقاد و نشاط جم بل إن جلد بشرته الدال على الحيوية ليفضل لوننا – نحن شباب اليوم – الحائل المنهوك قبل الأوان.
و تعرف كل واحد منا على الأخر.
و ابتدأ الحديث، و شيئاً فشيئا تطور إلى حديث فيه أخذ و رد، و الواقع أن موضوعات هذا اللقاء كانت تتصل بالسياسة العامة و الخاصة للمغرب و بسياسة العرب و المسلمين تجاه الغرب ثم عن الشؤون الدينية و توجيه الشباب.
و أنا كنت أريد أن يعرف كل شيء ثم لم أتذكر كيف تسرب حتى سألته عن اتجاهاتنا السياسية و من الأول و التالي، فأجاب قائلا : أن المغرب لا يكتمل في كيانه إلا يوم يتحد الجميع و هنا أخذ يسرد ما لاقاه منهم جميعاً مما أدى حسب قوله إلى الكذب عليه و أخذ صور بحضرته لادعاء الاتفاق معهم و كونه يعمل و إياهم في صعيد واحد و من أنه يؤيدهم فيما يفعلون.
و يصمت قليلاً لينفجر انفجار المجروح المكلوم و كيف أنهم افسدوا عليه عمله في الريف، ذلك العمل الذي كان يريد - حسب قوله – تحرير البلاد من آخر جندي أجنبي.
حتى إذا وصل إلى منتصف الموضوع هاج لأنهم أوقفوا هذه الثورة في وقت كان فيه الفرنسيون في أشد حاجة للراحة، و نفض اليد من واجهة مغربية للتفرغ لواجهات أخرى. و هو لا يكتفي بهذا بل يصف العمل بكونه جريمة جعلت الاستقلال غير حقيقي.
و في هذا الصدد ذكر أن الفرنسيين أتوه ساعة غياب الملك في منفاه و أرادوا مفاتحته في المغرب وحده فأجابهم قائلا : « لا أفهم شيئاً يقال له المغرب، و إنما أفهم المذاكرة أن تكون على أساس الشمال الإفريقي كله » فقالوا له مالك و للجزائر و تونس؟ فرد عليهم إنكم لما قاتلتمونا حاربتمونا بالتونسيين و الجزائريين، و هنا فتح في حديثه قوساً ليقول: إلتفيت بهذه الحجة و لم أشر إلى أنهم إخواننا في الدين حتى لا أنبههم إلى أفكار إسلامية و حتى لا يستغلوا هذه النقطة بالذات في كسب الرأي العام الدولي المسيحي ضدنا عندما يصفوننا بالعصبية لأن هذا الرأي العام المسيحي ضدهم ما دامت المسألة مسألة استعمار أما إذا تعدته إلى الدين الإسلامي و الإتحاد العربي فشيء آخر و القضية ترجع معكوسة... ثم قال، يجب على كل متحدث مع الغربيين/المسيحيين أن يدخل هذا في حسابه و لا أن يفشي مقاصده الإسلامية الخفية و لذا فإنني لم أجب بأن الجزائريين و التونسيين مثلاً إخوان لنا في الدين و اللغة.
و إنما خاطبتهم بلغة العسكريين من أنهم يحاربوننا بالمجاورين لنا و من أن احتلال الجزائر كانت بداية احتلال لمجموع الشمال الإفريقي، إذ بالدخول للجزائر وقع التسرب إلينا، ثم أضاف: و على إثر جوابي هذا ذهبوا و أعدوا مؤتمر إيكس ليبان و استدعوا إليه من شاءوا و أعطوا فيه ما أرادوا دون أن تثار مسألة الجيش.
و هنا قاطعته: بأن الاتفاقية المباشرة يعتبرونها مكسبا نلناه، فعاد البطل المجاهد لتأكيد يقينه من أن الفرنسيين لا يخرجون إلا بالقوة و العنف بل و بالطرد، و قد كنا على وشك ذلك لولا حادثة و فعلة إيقاف ثورة الناظور و تيزي وسلي، و المسؤول في هذا أولئك! لأن الشعب كان مستعدا و الفرد يكافح بإيمانه أكثر من سلاحه و الشعب في حاجة إلى من يأخذ بيده و ينمي فيه حماسه و شعوره.
و هنا أخذت دوري في الكلام و المناقشة، لأقول شيئاً كان يختلج في صدري و أعده مهما في معرفة رأي البطل فيه، و هو كون المغرب سيتخبط في أزمة اقتصادية خانقة، و أن رؤوس الأموال ستنسحب مع كل شركة فرنسية أو غربية أو كل مستثمر أجنبي يغادر المغرب، و أن العمال العاطلين سيتكاثر عددهم، إذا ما قمنا بطرد الفرنسيين، صحيح أن هذا استعمار من نوع آخر ( استعمار غير مباشر)، و لكن لا نستطيع في هذه المرحلة بالخصوص تطبيق هذه النقطة، فكل محاولة و كل حساب لخطة ما يجب أن يدخل فيه هذا الجانب الاقتصادي في الحالة المغربية الحالية.
و بالطبع لم يستطع أن يوافق على هذا و لا أن يحسب له حسابا، و هنا انساق في ذكرياته و كيف أن الثورة الريفية قامت من لاشيء، و يرد كيف أن « أول معركة قامت بيننا و بينهم و كانت بداية نصر مسترسل مات فيها أربعة لا غير منا، و منهم أكثر من مائتين أي من الإسبانيين، و غنمنا الأسلحة و الذخائر الحربية التي اكتسبنا بها انتصارات جديدة ».
كان الواحد منا يصبر على الجوع و بلغ الحال أن كان المجاهدون يأكلون الأرز مقليا و هو الذي غنموه ضمن أسلاب الأعداء، و إذن فليس هناك أي حساب مادي يدخل في الاعتبار عندما يكون الإيمان مسيطراً على القلوب و يكون اليقين جازماً بالنصر، و الحمد لله لقد كان هذا الإيمان و كان هذا الاعتقاد في رجال الثورة الريفية.
فالمسألة مسألة إيمان و يقين لا مسألة اقتصاد أو غيره و لا يجب أن نحسب للمعتدي المحتل أكثر مما هو عليه في الواقع.
و بهذا اختتمت هذه الجلسة الرائعة المفيدة التي أعتقد أني وفقت فيها خير توفيق، و الله من وراء القصد.